محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )

153

سبل السلام

كان قد سبق فيه حق لاحد بقعوده فيه من مصل أو غيره ثم فارقه لأي حاجة ثم عاد وقد قعد فيه أحد أن له أن يقيمه منه . وإلى هذا ذهب الهادوية والشافعية وقالوا : لا فرق في المسجد بين أن يقوم ويترك فيه سجادة أو نحوها أو لا ، فإنه أحق به ، قالوا : وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها . والحديث يشمل من قعد في موضع مخصوص لتجارة أو حرفة أو غيرهما ، قالوا : وكذلك من اعتاد في المسجد محلا يدرس فيه فهو أحق به ، قال المهدي : إلى العشي . وقال الغزالي : إلى الأبد ما لم يضرب ( عنه ) . وأما إذا قام القاعد من محله لغيره فظاهر الحديث جوازه ، وروي عن ابن عمر أنه إذا قام له الرجل من مجلسه لا يقعد فيه ، وحمل على أنه تركه تورعا لجواز أنه قام له حياء من غير طيبة نفس . 6 - ( وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها ) بنفسه ( أو يلعقها ) غيره . الأول بفتح حرف المضارعة من لعق ، والثاني بضمه من ألعق ( متفق عليه ) . والحديث دليل على عدم تعيين غسل اليد من الطعام وأنه يجزئ مسحها ، وفيه دليل على أنه يجب لعق اليد أو العاقها الغير وعلله في الحديث بأنه لا يدري في أي طعامه البركة ، كما أخرجه مسلم أنه ( ص ) أمر بلعق الأصابع والصحفة ، وقال : إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة وكذلك أمر صلى الله عليه وسلم بالتقاط اللقمة ومسحها وأكلها ، كما في رواية لمسلم أيضا بلفظ إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان . وهذه الأمور من اللعق والالعاق ولعق الصحفة وأكل ما يسقط ، ظاهر الأوامر وجوبها . وإلى هذا ذهب أبو محمد ابن حزم وقال : إنها فرض . والبركة : هي النماء والزيادة وثبوت الخير ، والمراد هنا : ما يحصل به التغدية وتسلم عاقبته من أذى ويقوي على طاعة الله وغير ذلك . وهذه البركة قد تكون في لعق يده أو لعق الصحفة أو أكل ما يسقط من لقمة ، وإن كان علل أكل الساقط بأنه لا يدعها للشيطان . والمراد من قوله : يده هو أصابع يده الثلاث كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يأكل بثلاث أصابع ، ولا يزيد الرابعة والخامسة إلا إذا احتاجهما بأن يكون الطعام غير مشتد ونحوه . وقد أخرج سعيد بن منصور : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل أكل بخمس . وهو مرسل ، وفيه دلالة على أنه لا بأس بالعاق الغير أصابعه من زوجة أو خادم وولد وغيرهم ، فإن تنجست اللقمة الساقطة فيزيل ما فيها من نجاسة إن أمكن وإلا أطعمها حيوانا ولا يدعها للشيطان ، كما ذكره النووي بناء على جواز إطعام المتنجس وعليه إجماع الأمة فعلا خلفا عن سلف وتقدم الكلام في ذلك .